السؤال الأزلي الذي تحب طرحه الزوجات: «وش تبي على العشاء» ويقال أيضًا أن اللبنانيات والشاميات عمومًا يطرحن ذات السؤال على أزواجهن: «شو بتحب تاكل ابن عمي»؟
أعتقد أن أسئلة النساء هنا ليست من باب المشاورة المحضة أو البرّ بالأزواج، بل هي سعيٌ لقرارٍ حاسم ينهي ربكة المطبخ. وبالنسبة لي؛ لن أحتاج إعمال فكر لأجيب، فقد يستدعي عقلي الباطن وهج التسعينيات بلمحةٍ خاطفة لأقول: «مشتهي عجّة قرنبيط» على طريقة رمزي شويري!
الشيف رمزي شويري كان يطل عبر برنامج عالم الصباح في تلفزيون المستقبل اللبناني مطلع التسعينات، وكأنه مايسترو يقود أوركسترا من النكهات. لم يكن مجرد طباخ يخلط المقادير، بل كان موثِّقًا لهويةٍ جُبلت بالزعتر وزيت الزيتون. وحين أهدى موسوعته الضخمة لسيدة لبنان الأولى آنذاك منى الهراوي، لم يكن يهديها مجرد كتاب طبيخ، بل كان يضع في عهدة «قصر بعبدا» أمانة التراث الغذائي اللبناني، وكأن لسان حاله يقول: هذا هو لبنان الذي يُؤكل!
الفوضى المنظمة في مطبخ رمزي شويري، وأبخرته المتصاعدة، ومكوناته المبعثرة.. تتحول إلى مقلوبة بالدجاج وحرّاق إصبعو «تاكل أصابعك وراه» وعجة قرنبيط.. ولا ننسى البُرَك والتبولة، وغيرها كثير، فالتفاصيل تذوب في حضرة المذاق وأناقة السفرة والنكهة التي تكاد تشم عبيرها خلف الشاشة.
قادتني ذكرى الشيف رمزي شويري إلى «العم جوجل» لتتبع أخباره التي توارت عنا بعد إغلاق تلفزيون المستقبل عام 2019، فوجدتُ أنه قد رحل في يونيو 2023. ولأن محرك البحث يأتيك بما تريد، وبهوامش أخرى لم تطلبها؛ فقد صعقني بخبر آخر حزين وهو رحيل أبو الأناشيد الوطنية اللبنانية إيلي شويري في مايو من العام ذاته. جوجل الذي ربط بين شويري وشويري باسميهما نسي أو تناسى أو فات عليه أن يخبرنا عن المطبخ الفني لإيلي شويري، لكنه مطبخ لا تزدحم فيه الطاولات بالطناجر والصحون، بل بمسودات النصوص ونوتات الألحان وبروفات تسابق الزمن؛ مطبخ تتعالى فيه النقاشات حول موسقة الشعر والمذهب والكوبليه، وتُضبط القفلة الغنائية وسط دندنة الأوتار وهوس الكمال.
الإنهاك الذي أتخيله على إيلي شويري يذوب ويتبخر حين تولد الألحان بصيغها النهائية، فمن مطبخه خرجت يا بلح زغلولي التي غنتها داليدا رحمة، وتعلى وتتعمر يا دار للشحرورة الصبوحة.. ثم صخب النشيد الذي يسكن حناجرنا كلما هزّنا الشوق للبنان ولكل بلاد العُرب: بكتب اسمك يا بلادي.. عالشمس الْمَا بتغيب.. والتي غناها جوزيف عازار وإيلي نفسه، ودريد لحام.
ماذا لو استعاد قصر بعبدا دوره كمطبخ للقرار الوطني الحكيم الذي يشمل لبنان؛ كل لبنان بضِيَعه من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها؟ مطبخٌ لا تطهى فيه التسويات على نار المصالح، بل تُصاغ فيه وصفة الخلاص لبلد صدّر للعالم أشهى المازات وأعذب النغمات. بين «شويري وشويري» تتلخص حكاية وطن بأكمله في ثنائية المذاق والنغم. لبنان الذي مزج وصفات رمزي الشهية بنوتات إيلي العبقرية.
إن الوصفة الحقيقية لخلاص هذا البلد لا تكمن في أروقة السياسة المعتمة، بل في العودة إلى نقاء تلك الهوية، فمتى ما أدرك ساسة لبنان أن الوطن ليس كعكةً تقتسم، بل لوحة تكتمل بانسجام المذاق الأصيل مع النغم الخالد، سيتذوقون حينها طعم الاستقرار، ويرددون ونردد معهم بقلبٍ واحد: بكتب اسمك يا بلادي.. عالشمس الْمَا بتغيب.. لا مالي ولا أولادي.. على حبك ما في حبيب.



























(
(
