بدأت حياتي معلمًا للغة العربية في إحدى مدارس عرعر، كان ذلك أيام الطباشير والسبورة الخضراء، غير أنني لم أستمر في استنشاق رذاذ الطباشير طويلاً، إذ غادرت الفصول بعد ثلاث سنوات فقط ملتحقًا بالعمل الإداري ثم الإعلامي. هناك «تشعبطت» بالصحافة، ومنها إلى الإذاعة التي قضيت فيها سنين حافلة مع الميكروفون وآلات التسجيل، بدءًا من جهاز «الناغرا» الثقيل، وصولاً إلى عصر الرقمنة والمونتاج والإخراج.
كانت أيامًا مليئة بالمهام الصعبة، والترحال الذي لا ينتهي، ومحاورة الضيوف الكرام داخل المملكة وخارجها، وكنت خلالها أبحث عن الوقت داخل الوقت، أركض بلا توقف.. حتى جاء اليوم الموعود في سبتمبر 2025 ليُطلق عليّ رسميًا لقب «متقاعد».
وبعد كل ذلك الركض، استقرت بي الحال، ولم يعد يربطني بالمهنة سوى هذه الإطلالات من خلال صحيفة «الجزيرة» استبدلتُ استوديوهات الإذاعة بمكان محدد وثابت للجلوس في «المقلط» وهو موقع استراتيجي يكشف لي حركة العابرين دخولاً وخروجًا من وإلى البيت. وبعفويتي «المعهودة» أصبحت أطارد أبنائي بالأسئلة اليومية المتكررة: «وين يا ولد؟ منين يا ولد؟!
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وجدت نفسي أمارس مهنة جديدة تتمثل في فتح الباب خمسين مرة يوميًا لمندوبي طلبات التوصيل. ولأن بيتي يقع على شارعين، فقد عانيت الأمرين مع هؤلاء المندوبين؛ أفتح باب الحريم لأكتشف أن السائق يقف عند باب الرجال، فأقوم بدورة ماراثونية حول البيت لألتقيه.
وبعد أن يُحملني بالوجبات السريعة والمشروبات الغازية، أحاول أن أبدو متماسكًا، ثم «أدق ريوس» نحو الباب خلفي لأكتشف أنه مغلق لأنني خرجت من الباب الآخر! فأعاود الدوران مشيًا ببطء شديد، والأكياس معلقة بأصابعي، بينما تتوازن المشروبات بصعوبة على راحتيّ يديّ!
اشتكيت للأسرة من هذا الغربال، فاقترحت عليّ أم العيال تركيب كاميرات مراقبة لتحديد مكان سائق الطلبات قبل فتح الباب. لم أتردد في تنفيذ هذا المقترح الجميل والمريح، الذي مكنني من تحديد «اللوكيشن» والانطلاق إليه مباشرة، موفرًا على نفسي عناء الدوران. لكن يبدو أن لدى بعض السائقين المتحذلقين معاناة مشابهة لمعاناتي، فابتكروا حيلة مضادة، أصبحوا يركنون سياراتهم في زاوية المنزل (النقطة العمياء) حيث لا ترصدهم الكاميرات، لكنهم هم يرونني جيدًا من أي باب أخرج! ولأن ذوقهم رفيع؛ فإن أغلبهم لا يكلف نفسه عناء النزول، بل يشير إليّ بالأكياس من نافذة السيارة وكأنه يقول: تعال استلم!
الأهم من ذلك أن هذه الكاميرات فتحت لي بابًا لممارسة هواية جديدة، وهي تفقد سيارات العيال. السيارة التي لا أراها مركونة في الشاشة، أُتبعها باتصال فوري: «ألو.. وينك أنت؟ سيارتك مهي فيه؟!»
استمر هذا الحصار التقني حتى طفح الكيل بالأولاد، واشتكوا لأمهم من انعدام «نقطة عمياء» في بيتنا يستطيعون من خلالها ممارسة شيء من حريتهم بعيدًا عن راداري!
وأمام هذه الاتهامات، قررت أن أضرب عصفورين بحجر؛ أبرئ ساحتي من تهمة التضييق عليهم، والأهم.. أن أبحث عن راحتي من ماراثون الركض لفتح الباب لاستقبال مناديب التوصيل.
جمعتهم وأسديت لهم نصيحة أبوية خالصة، مدعيًا أن هدفي هو الحفاظ على صحتهم من هذه الوجبات السريعة المستنزفة للمصروف والمضرة للأبدان، وطالبتهم بالعودة إلى الأكل الصحي المفيد، وأن يتخذوا من «الشحرورة الصبوحة» قدوة في «الدايت» ونمط الحياة السليم، حين لخصَت الوصفة قائلة:
عالبساطة البساطة.. ويا عيني عالبساطة
قديش مستحليّة أعيش.. جنبك يابو الدراويش
تغديني جبنة وزيتونة.. وتعشيني بطاطة
وهنا أفسد «حمودي الملقوف» السلطنة الطربية والنصيحة الأبوية حين همس لإخوته:
ترى أبوي يقصد جبنة قليلة الدسم، وبطاطس مسلوقة!
فلم أجد ردًا أختم به النقاش سوى أن أرمقه بنظرة حازمة وأقول: سلطن وأنت ساكت يا ولد!





























(
(
