حين يزرع الله الطمأنينة في قلب عبدٍ من عباده، تصبح الطرق الوعرة أقلَّ وحشة، وتغدو الأيام المؤجلة رسائلَ رحمةٍ لم يحن موعد فتحها بعد.
يقول غازي القصيبي رحمه الله: «عوِّد نفسك على الفرح حتى يعتاد هو عليك، وأعط نفسك الأمل حتى تجد الدنيا بين يديك، افرح بما لديك حتى يأتيك أكثر مما تتخيل».
ليست هذه الكلمات مجرد دعوة عابرة إلى التفاؤل، بل فلسفة حياة كاملة. فالكثير من الناس يعيشون أعمارهم وهم يؤجلون الفرح إلى موعدٍ لا يأتي. ينتظرون اكتمال النواقص، وانتهاء المتاعب، وتحقق الأمنيات كلها، ثم يكتشفون متأخرين أن العمر كان يمر من أمامهم بينما كانوا منشغلين بعدِّ ما ينقصهم أكثر من تأمل ما يملكونه.
والمفارقة الساخرة أن بعض البشر لو فُتحت لهم أبواب النعم كلها لبقوا واقفين عند نافذةٍ صغيرة أُغلقت في وجوههم، ينظرون إليها بحسرة وينسون الأبواب الواسعة التي دخلوا منها. ليست المشكلة دائماً في قلة النعم، بل في اعتياد العين عليها حتى تصبح كأنها لا تُرى.
كم من إنسان يستيقظ آمناً في سربه، صحيحاً في بدنه، محاطاً بأهله وأحبابه، ثم يقضي نهاره حزيناً لأن أمراً واحداً لم يأت كما أراد. وكأن آلاف المنح التي تغمر حياته تحولت فجأة إلى تفاصيل هامشية لا تستحق الالتفات.
لهذا كان القرآن يعيد الإنسان دائماً إلى موضع الرؤية الصحيحة، فقال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
تأمل هذا التكرار المهيب. لم يقل الله إن اليسر يأتي بعد العسر فقط، بل أخبرنا أنه يكون معه، يجاوره، ويحيط به، وقد يختبئ داخله حتى لا يراه إلا أصحاب البصائر الحية.
وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». رواه مسلم.
إنها معادلة عظيمة لا يعرف سرها إلا من عرف ربه حق المعرفة. فالمؤمن لا يعيش بين فرح وحزن فقط، بل يعيش بين شكر وصبر، وبين ثقة بالله ويقين بأن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه.
ويُروى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: "أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع قدر الله". لم يكن ذلك استسلاماً سلبياً، بل بلوغاً لمرتبة عالية من الرضا؛ حيث يدرك الإنسان أن الله أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأن ما يختاره لعبده أقرب إلى الخير مما يختاره العبد لنفسه.
وفي زماننا المعاصر تتكرر الحكاية بأشكال مختلفة. شاب أُغلقت أمامه وظيفة كان يراها حلم حياته، فحزن طويلاً، ثم ساقه الله بعد أشهر إلى فرصة أكبر وأكرم وأبقى. وطالب أخفق في طريق ظنه مستقبله الوحيد، فاكتشف لاحقاً أن الله كان يحميه من طريق لا يناسبه ويقوده إلى ما هو أصلح له. وكم من إنسان بكى على باب أُغلق، ثم عاد بعد سنوات ليشكر الله أن ذلك الباب لم يُفتح له أبداً.
إننا أحياناً نحزن لأننا لا نعرف نهاية القصة، بينما الله يعلم أولها وآخرها وتفاصيلها كلها. نحكم على المشهد من لقطة واحدة، بينما حكمة الله تشمل الرواية بأكملها.
ولهذا قال الفيلسوف الروماني سينيكا: "نعاني أكثر في الخيال مما نعاني في الواقع". وقال فيلسوف آخر : "السعادة لا تعتمد على ما تملك، بل على الطريقة التي تنظر بها إلى ما تملك". أما الفيلسوف ماركوس أوريليوس فكان يرى أن هدوء النفس يبدأ عندما يكف الإنسان عن محاربة ما لا يستطيع تغييره، ويبدأ في اكتشاف الخير الكامن فيما بين يديه.
غير أن المؤمن يمتلك ما هو أعظم من كل الفلسفات؛ فهو يعلم أن وراء النعمة مُنعِماً، ووراء الرزق رازقاً، ووراء اللطف رباً كريماً لا تنفد خزائنه، ولا ينقطع فضله، ولا تغيب رحمته عن عباده لحظة واحدة.
إن كثيراً من الناس يعيشون فوق كنوز حقيقية وهم لا يشعرون. كنوز من الصحة، وكنوز من الأمن، وكنوز من الأهل، وكنوز من الإيمان، وكنوز من الستر. لكن النفس البشرية أحياناً تنشغل بما فقدته حتى تنسى ما بقي لها.
ولذلك فإن الفرح ليس حدثاً عابراً بقدر ما هو مهارة قلبية. إنه قرار بأن ترى نعم الله قبل أن ترى النقص، وأن تعدَّ العطايا قبل أن تعدَّ المتاعب، وأن تفتح نافذة الامتنان كل صباح قبل أن تفتح أبواب الشكوى.
وما أجمل أن يتذكر الإنسان أن الله لم يوصله إلى هذه اللحظة عبثاً، ولم يحفظه كل هذه السنين سدى، ولم يغمره بهذا الكم من النعم ثم يتركه. إن فضل الله في الماضي رسالة اطمئنان للمستقبل، وإن رحمته التي رافقتك في الأمس قادرة على أن تدهشك غداً بما هو أجمل وأوسع وأكرم.
لذلك لا تجعل ما تعثر يُنسيك ما تيسر، ولا تجعل ما تأخر يحجب عنك ما حضر، ولا تجعل ما تتمناه يسرق منك فرحة ما تملكه الآن.
افرح بما لديك.
واشكر الله على ما بين يديك.
وأحسن الظن بربك الكريم.
فكم من بشارة كانت في الطريق ولم يرها صاحبها بعد، وكم من فرحة كتبها الله لعبد من عباده قبل أن يعلم بها، وكم من أمنية ظنها بعيدة فإذا بها تطرق بابه في الوقت الذي اختاره الله لها.
وعندما تنظر إلى حياتك بعين الامتنان ستكتشف حقيقة مدهشة؛ أن كثيراً من الأشياء الجميلة قد حدثت بالفعل، وأن كثيراً من النعم تحيط بك الآن، وأن كثيراً من الخير ما زال قادماً.
نعم... لأن الأجمل لم يبدأ بعد.
✒️ _ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438 :::



























(
(
