في عام 1984 عاشت الجماهير الرياضية السعودية فرحة استثنائية لا تُنسى، حين حقق منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم إنجازًا تاريخيًا بتأهله إلى دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس. لم يكن ذلك مجرد عبور لبطولة، بل كان عرشا كرويًا يوازي في وجداننا آنذاك الفوز بكأس العالم. فقد كانت المرة الأولى التي نتذوق فيها طعم الإنجازات الكروية الكبرى.
تلك الرحلة الأولمبية إلى أمريكا كانت ذات طابع ثقافي واجتماعي ووطني بامتياز. رافق البعثة خلالها وفد إعلامي كبير؛ بينهم المعلق الفلسطيني الراحل أكرم صالح -رحمه الله- الذي قدم للمملكة للعمل كخبير رياضي في وزارة الإعلام. كان صالح يمتلك ثقافة رياضية واسعة، وحضورًا طاغيًا، يوزع نقده الهادف -واللاذع أحيانًا- بعدل على أداء اللاعبين، وقرارات المدربين، بل وحتى على زوايا التصوير، وكأنه رادار يرصد كل شاردة وواردة في الملعب.
في ذلك الزمان، لم تكن كرة القدم -أو «السوكر» كما يسميها الأمريكان للتمييز بينها وبين كرة القدم الأمريكية- تحظى بشعبية في أمريكا، بل كانت مجرد ضيف ثقيل الظل على الثقافة الرياضية هناك. ولم يكن المنظمون يفقهون الكثير في قوانينها أو مكامن إثارتها. ولهذا استعانوا بمخرج هوليوودي محترف ليتولى النقل التلفزيوني، لتظهر المباريات بجمالية بصرية تضاهي أفلام الكاوبوي لـ«كلينت إيستوود» واستعراضات «جون ترافولتا».
نجح المخرج بالفعل في نقلنا إلى قلب الحدث ببراعة سينمائية، فاستعرض المدرجات والوجوه والزوايا المختلفة. لكنه في المقابل مارس خطيئة كروية لا تُغتفر في عُرف المشجعين! ولك أن تتخيل المشهد: هجمة مرتدة خاطفة، الكرة تتناقل بمهارة بين أقدام صالح خليفة وماجد عبدالله، الأنفاس تُحبس، ترقبًا لهدف.
وفي قمة هذه الإثارة، يقرر المخرج أن ينقلنا إلى قلب المدرجات الصاخبة، نحو مشجعة فاتنة كانت تصنع لحظتها الخاصة دون أن تعلم أنها تحت مجهر الملايين. برقة بالغة، تلتقط بين سبابتها وإبهامها ذلك الدبوس، وتسحبه في حركة ناعمة، لتحرر قيد كعكتها. وفي لحظة ساحرة، ينهمر شعرها المتمرد ليراقص جبينها، يختبئ في عينيها تارة، وتزيحه بالتفاتة عفوية تخطف الأنفاس تارة أخرى، قبل أن تعاود لملمته خلف جيدها، تاركةً إياه ينسدل كشلال حريري آسر.
تعود الكاميرا إلى الملعب، ونحن في حيرة: ما بين هجمة لا ندري كيف ضاعت، وما بين تمتمة بعضنا بأبيات الأمير الشاعر عبدالله الفيصل:
هلا يابو شعر ثاير
كسى بظله جبينك
يا ليتني في الظفاير
شعره على رمش عينك
وفجأة.. تعود الكاميرا ثانيةً إلى المدرجات، فيسكت القوم انتظارًا لمشهد يأخذهم بعيدًا مرة أخرى، لكن الكاميرا هذه المرة اختارت سيدة بدينة، تفتح حقيبتها القماشية لتُخرج مقادير الرضعة لطفلها الدلوع!
هنا لم يتمالك أكرم صالح نفسه، ليصرخ بأعلى صوته عبر الأثير: ولك .. خلينا نتابع الهجمة!
بعد عشر سنوات، وتحديدًا في العام 1994 حين استضافت أمريكا المونديال، كان الوضع قد تغير جذريًا. وأصبحت المباريات المنقولة تفوق الأفلام السينمائية متعة وإثارة حقيقية، مع احترام كامل لعقلية المشجع الكروي. وفي ذلك المونديال، افتتح منتخبنا حضوره العالمي المذهل.
واليوم.. بعدما يزيد عن 40 سنة؛ ها هم صقورنا يستعدون لتسجيل حضورهم المونديالي للمرة السابعة، والآمال معلقة بنجومنا أن يقدموا أداءً مشرفًا يليق بتاريخنا، بعيدًا عن مفاجآت مخرجي هوليوود وجميلات الملاعب ذوات الشعر الثائر..
وبأحلى العواطف جمعنا
نمشي على ما نريده
بأمر المحبة خضعنا
لأمرك يابو شعر ثاير
سلطنوا..



























(
(
