يقال في أدبيات مجالسنا، إن من يفتتح «سالفته» بعبارة (واحدٍ من الرّبع) فهو في الحقيقة يتحدث عن نفسه، ليتوارى خلف هذا «الواحد» الوهمي!
الشاهد: كانت حياة أخينا عبارة عن قطار سريع بلا توقف، لا يجد فيها دقائق معدودة ليختلي بنفسه أو ليهنأ مع أهل بيته. أيامه ركض متصل بين دوامين صباحي ومسائي، تتخللها ارتباطات مجتمعية تشبه تناقضات البشر التي نمرّ عليها يوميًا في حالات «الواتساب» فهذا يعرض بطاقة دعوة لمناسبة سعيدة، وذاك يبث أنينًا ينساب بين أسطر تفوح هيامًا بحبيبٍ تذكره فجأة ليضعه لنا كحالة، وآخر يكتب وداعًا حزينًا لقريبٍ فارق الدنيا. وصولاً إلى من يذكِّرنا بالصلاة على النبي وقراءة ورد من القرآن. وكان وسط كل هذا الزحام يوزع تفاعلاته المعلبة على عجل، فيضع «لايك» على حالة زيد، و»فيس ميت ضحك» على حالة عبيد، وقلبًا يخترقه سهم على حالة المزيونة عبير!
وذات يوم، تنبه إلى ناقوس الستين وهو يُقرع معلنًا نهاية الرحلة، وأن الشهرين القادمين هما منحة من المدير العام لإنهاء إجراءات تسليم ما بحوزته من عهدة، ليُخلع عنه بعدهما لقبه الوظيفي، ويسبق اسمه في كل مكان وزمان ذلك اللقب الجديد المهيب، ذي الحروف الثقيلة: المتقاعد!
أخذ الرجل يدير نظره متأملاً جدران مكتبه، ومحدقًا في لوحة الإعلانات المعلقة عن يساره، والتي يتعهدها يوميًا بتعليق مهمة جديدة أو شطب أخرى انقضت. أراد معانقة الأشياء في المكتب قبل الفراق، وفجأة.. تناول خرقة حمراء احتفظ بها منذ سنين، كان ينوي تلميع بعض القطع النفيسة إن هو خلا بنفسه، ولم يجد فرصة إلا اليوم! وقبل أن يهم «بالتمسيح» توافد عليه الزملاء حتى امتلأ مكتبه بالمودعين.
أمعن النظر في وجوههم، وسمع من نظراتهم كلامًا كثيرًا. لكن أكثر ما آلمه في تلك اللحظات، سؤال أحد الطفيليين عن موجودات مكتبه ومن سيرثها من بعده! وعن سر الخرقة الحمراء التي يمسك بها في يده!
انقضى الشهران كلمح البصر، وتسلم خطاب شكر ودرعًا تذكاريًا في وداعٍ باهت لم يحضره أحد! وبما أنه يسجل حضوره اليومي في الحالات «إياها» فقد أسرع إلى مكتب المدير طالبًا التقاط صورة تذكارية معه -ولو بالجوال- وهو يسلمه الدرع «لزوم الكشخة» على منصات التواصل.
هنا.. بدأت الحياة تخلع قناعًا لترتدي آخر. حالات الواتساب التي كانت تمثّل له واجبًا ثقيلاً يؤديه ليبقى حاضرًا في وجدان الناس، تحولت إلى مشروع يومي للتدقيق والتمحيص! فقد استبدل اللايكات السريعة والورود المعلبة باتصالات فعلية، وزيارات مباغتة، بل وتوجيه انتقادات لاذعة، أصبح يعاتب بضراوة من لا يتفاعل مع حالاته التي أغرقت الواتساب!
وفي زاوية أخرى من وقته الفائض، اكتشف عالمًا موازيًا في بيته، فلكل فردٍ من أفراد الأسرة عالمه الخاص، ومزاجه المستقل، وقهوته الخاصة، وشاشته التي لا يشاركه فيها أحد. وجد نفسه ككائن غريب هبط للتو من كوكب آخر، فأدرك أنه بحاجة ماسة لتغيير أسلوبه، وحتى لهجته، ليتمكّن من الاندماج في هذا النظام الفلكي الجديد داخل أسوار بيته.
بدأ مسلسل الاندماج بالجلوس مرغمًا لمشاهدة المسلسلات التي لطالما ادعى كراهيتها. فكانت الصدمة.. فلا قنوات تلفزيونية كما عهدها في ذاكرته القديمة، بل منصات تتدفق بمئات المسلسلات العربية والأجنبية، والتي تعرض عند الطلب بضغطة زر، وهو -للمفارقة- من يدفع قيمة اشتراكاتها شهريًا دون أن يسأل عنها أو يعرف ماهيتها!
الحلقة المملة ذات الأربعين دقيقة لا تنتهي إلا بعد أربع ساعات! لأن «أم العيال» تستحوذ على الريموت كنترول حسب الأعراف السائدة في المنزل، فتوقف العرض لتقهقه على «سنابة» أم محمد، أو لترد على «مسج» جارتها حصة، أو لتتلقى اتصالاً مرئيًا من ابنتها المرافقة لزوجها في أمريكا لتخبرها أن «لويزات» حمودي ملتهبة، وأباه لاهٍ بمحاضراته، ثم ينحرف مسار الحديث فجأة لتُملي على ابنتها مقادير وطريقة إعداد البسبوسة!
عندما يحين وقت الصلاة، يتنفس «الواحد اللي من الربع» الصعداء هاربًا إلى صلاته، ومتأملاً أن تنتهي الحلقة في غيابه، أو على الأقل يمضي أكثر من نصفها. لكن المفاجأة الصاعقة أن زوجته الحنون تستقبله بابتسامة عريضة زافة له البشرى: أوقفتُ عرض المسلسل عشان ما يفوتك شي! ليصرخ في وجهها: يا بنت الحلال خلي المسلسل يمشي! فترد بارتعاشة ونظرات مستغربة: يووه.. طيب!
في اليوم التالي استجابت له ولم توقف العرض.. لكنها فور عودته، أوقفت المسلسل لتسرد عليه بالتفصيل كل ما فاته!
طفح الكيل بالواحد اللي من الربع، لأن عالمه الجديد لا يشبهه. اشتاق لصحبة الأمس عله يجد عندهم للخاطر سلوة، وانتشى عندما علم بأن «الشيبان المطانيخ» يرتبون لـ «كشتة» ينسلخون فيها من صخب المنصات وسوالف الحريم. فانطلقوا جميعًا بسياراتهم ذوات الدفع الرباعي بعيدًا عن إزعاج المدينة وعن أبراج الجوالات وتعقيدات الشاشات الذكية. وهناك، وفي لحظة سكون بعد المغيب وأمام شبة النار وعبق الصحراء، سأله أحدهم عن الحال والأحوال، فسكت.. ثم تنهد.. وترنّم:
ما أطولك ليل.. ليل البعاد والانتظار
ما أطولك ليل.. سارق من عيوني النهار
ناسي زمانك.. يا شجوني
عارف مكانك.. في عيوني
سلطنوا..



























(
(
