“اللهُ أرحمُ بعباده من خوفهم من عيوبهم، وألطفُ بهم من قسوة أحكامهم على أنفسهم… فهو سبحانه يعلم ضعفهم، ثم يفتح لهم باب العودة كلما ظنوا أن الطرق انتهت.”
في هذا العصر، لم يعد الناس يستأجرون المنازل فقط… بل صاروا يستأجرون الوجوه أيضًا.
وجهٌ للعمل، ووجهٌ للمجالس، ووجهٌ لوسائل التواصل، ووجهٌ أخير متعب لا يراه أحد إلا الله.
صرنا نعيش زمنًا يخجل فيه الإنسان من إنسانيته، وكأن الحزن عيب، والقلق فضيحة، والتعب النفسي ضعفٌ أخلاقي، بينما الحقيقة أن أكثر الأرواح جمالًا هي تلك التي قاومت الحياة بصمت، ثم ابتسمت رغم الخراب.
يا لهذا العالم المتوحش…
يريد من الإنسان أن يكون قويًا طوال الوقت، متماسكًا طوال الوقت، ناجحًا طوال الوقت، حتى بات البعض يختنق لأنه لا يجد مساحةً واحدة يخلع فيها درع التظاهر.
ولذلك ترى كثيرًا من الناس يضحكون بطريقةٍ تشبه البكاء المؤجل.
يجلس أحدهم بين الجميع كأنه بخير، بينما داخله مدينة كاملة من الحرائق المؤدبة.
لا تتصنع الكمال… لأن الله سبحانه لم يخلقك ملاكًا أصلًا.
خلقك بشرًا؛ تُخطئ فتستغفر، وتضعف فتعود، وتتعثر فتتعلم، ثم يفتح لك أبواب رحمته مرةً بعد أخرى، وكأنك لم تخذله يومًا.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
سورة الزمر: 53
يا لعظمة هذا النداء…
الله سبحانه ينادي المذنبين بلفظ “عبادي”، رغم كل شيء.
وكأن الرحمة الإلهية تقول للإنسان: تعال كما أنت، لا كما يدّعي الناس أنك يجب أن تكون.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون».
رواه الترمذي.
لكن الإنسان الحديث لا يريد أن يكون تائبًا… بل يريد أن يبدو كاملًا أمام الناس، ولو احترق من الداخل.
وهنا تبدأ المأساة.
إن أكثر البشر إرهاقًا هم أولئك الذين يقضون أعمارهم في تمثيل دورٍ لا يشبههم.
يرتدون هيبةً مصطنعة، وصلابةً مستعارة، وابتساماتٍ مؤجرة، ثم يعودون آخر الليل منهكين من ثقل التمثيل.
ولذلك قال الفيلسوف سيوران: “كل قناع يرتديه الإنسان يلتصق بوجهه مع الوقت.”
حتى ينسى المرء ملامحه الحقيقية، ويعيش غريبًا عن نفسه.
وفي المقابل، فإن أكثر الناس طمأنينة ليسوا المعصومين، بل الصادقين مع ضعفهم.
أولئك الذين يعرفون أنهم يخطئون، لكنهم لا يتوقفون عن محاولة إصلاح أرواحهم.
ويُروى عن الفضيل بن عياض رحمه الله، أنه كان قاطع طريق، يخشاه الناس وتهابه القوافل، حتى مرّ ذات ليلة يسمع قارئًا يتلو:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
فتوقف وكأن الآية نزلت فوق قلبه وحده، وقال: “بلى والله قد آن.”
فتحول بفضل الله من رجلٍ تخافه الطرقات إلى إمامٍ يبكي الناس من خشية الله عند سماع كلامه.
ما أعجب الإنسان…
قد يبدأ حياته غارقًا في الفوضى، ثم ينقذه الله بلحظة صدق واحدة.
ولذلك لا تحتقر نفسك لأنك تعبت، ولا تكره روحك لأنك أخطأت، ولا تظن أن الله سبحانه يترك عباده لأنهم تعثروا.
فالله جل جلاله أرحم بعباده من قسوة البشر عليهم، وأعلم بمن يقاتل نفسه بصمتٍ كي يبقى واقفًا.
قال جلال الدين الرومي: “الجراح هي المكان الذي يدخل منه النور.”
وربما كانت بعض كسورك بابًا لأن تعرف الله أكثر، وتعرف نفسك أكثر، وتنضج بطريقةٍ لم تكن لتحدث في أيام الراحة.
إن الحياة ليست مسابقةً لمن يبدو كاملًا… بل رحلةٌ طويلة لمن ينجح في البقاء إنسانًا رغم القسوة.
ولهذا، لا تخجل من مراحل ضعفك.
فالإنسان لا يُقاس بعدد سقوطاته، بل بعدد المرات التي حاول فيها النهوض من جديد.
وكم من شخصٍ ظنه الناس قويًا، بينما كان بالكاد يقاوم نفسه.
وكم من إنسانٍ بسيط لا يملك شيئًا من بهرجة العالم، لكنه عند الله عظيم لأنه صادق، رحيم، ويحاول كل يوم أن يكون أفضل.
إن أجمل ما في المؤمن ليس أنه لا يسقط… بل أنه كلما سقط عاد إلى الله أسرع من يأسه.
فامضِ إلى الله بقلبك كما أنت؛ بخوفك، وتعبك، وفوضاك، وضعفك، وأملك أيضًا.
فالله سبحانه لا يريد منك أن تكون ملاكًا، وإنما يريد منك قلبًا لا يملّ من العودة إليه.
وربما كانت أعظم راحة في الحياة…
أن الله يعلم حقيقتك كاملة، ثم يسترك، ويرحمك، ويفتح لك بابًا جديدًا كلما ظننت أن الأبواب أُغلقت.
✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
● الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
●bismallah34@gmail.com



























(
(
