في عام 1977 غيَّب الموت العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وضجت الدنيا حينها بإشاعات عن فتياتٍ ألقين بأنفسهن من شرفات الطوابق العليا في القاهرة حزنًا على رحيل هذا المطرب الاستثنائي الذي لا يتكرر. عبدالحليم الذي تميز بصوته العذب وصاغ بوجدانه مفهوم الرومانسية العربية، ترك بصمةً خالدة في الموسيقى، حتى غدا أيقونةً أزليةً للحب واللوعة.
قبل سنوات، تابعت لقاءً تلفزيونيًا مع أحد المطربين الشعبيين، وبخبث مذيعٍ محترف، وجه إليه سؤالاً مفخخًا: هل تتوقَّع أن تلقي فتاة بنفسها من الشرفة حزنًا على وفاتك.. بعد عمر طويل؟
غير أن الفنان كان أكثر هدوءًا، فأجاب ببساطة وواقعية: «وترمي نفسها ليه؟ لو كل واحد فينا يموت بتموت وراه بنت مايبقاش عندنا بنات.. عشان إحنا بقينا كتير وبنشبه بعض، بس عبدالحليم مافيش شبهه». اليوم، ثمة عكّ فني ظاهر على السطح، والكل يلهث خلف المال، ما جعل «شلة حسب الله» تسير في طابور واحد خلف أي عمل تضرب أرقامه القياسية ويصبح «ترند» بفضل تقليعة مراهقين، أو لأن في كلماته كلماتٍ ليس لها معنى، أو بمحض الصدفة البحتة. والمفارقة أن جمهور «الترند» يردد هذه الأغنيات بطربٍ ممزوج بالسخرية! لكن.. القضية اليوم غدت قضية مشاهدات وأرقام، فمتى ما تحرّك العداد، أصبح العمل ناجحًا بامتياز في عرف هذا العصر، حتى وإن أوسعناه تهكمًا. هكذا تُقاس الأمور في زمن «السوشيال ميديا».. وخلي الرومانسية تنفعك يا رومانسي! بحكم ظروف عملي سابقًا؛ كنت أقطع المسافات الطويلة برًا بمفردي، أما بعد التقاعد، فقد تغيَّرت الخطط والخرائط، وصار يرافقني في رحلاتي أم العيال «والعزوبية» من أولادي! ولأنني أدّعي التحرر الفكري ورحابة الصدر، فإني أربط هاتفي الذكي بـ»بلوتوث» السيارة، لأشنف آذانهم بأسطوانات الزمن الجميل التي تفيض طربًا وسلطنة، بدءًا من: على الله تعود لوديع الصافي، إلى: فوق غصنك يا ليمونة لفريد الأطرش، وصولاً إلى: طبعاً أحباب لوردة الجزائرية، ثمّ: وردك يا زارع الورد لطلال مداح.. أردت ذات مرة، ونحن في طريق سفر طويل تحت جنح الظلام، أن أثبت لهم كم أنا مواكب وصاحب ذوق رفيع، فأخذتني «السلطنة» مع صوت الأرض «أبو عبدالله» وقررت أن أشاركه الغناء بأعلى صوتي:
وردك جميل محلاه فتح على غصنه
لما الندى حيااااه...
وفجأة.. قطع انسجامي صوتٌ انطلق من المقاعد الخلفية، مشحونًا برعبٍ حقيقي: «بسم الله الرحمن الرحيم.. وش فيه»؟!
التفت سريعًا مستكشفًا عبر مرآة السيارة، فإذا بالجميع فزعين، وكلٌ منهم ينتزع سماعته من أذنه في هلع! حينها فقط أدركت أنني أغرِّد في واد، والأولاد في أودية محمد حماقي وماريتا الحلاني!
ما علينا..
يُذاع عبر أثير إذاعة الرياض برنامج أسبوعي أنيق يحمل عنوان «كوبليه» من إعداد وإخراج الزميل محمد الجنيد. يعيدنا هذا البرنامج إلى روائع الطرب الأصيل، ويداوي ذائقة المغتربين فنيًا بأصوات المطربين النقية والشجية، والتي لم تشذبها أو تشوهها أدوات الصوت الحديثة. وآخر ما استوقفتني شجونه في هذا البرنامج، كان فن (الصوت) ورائعة المطرب عوض دوخي وهو يمازج الآهات بالكلمات:
آه منك يا جاسي.. بايع الحب وناسي
وين الليالي الهنية
سلبت مني فؤادي.. من بعد ما كنت تنادي
وتقول قرب شوية
سلطنوا..



























(
(
