" الله أرحم من كل خيبة، وأحكم من كل تأخير، ولطفه يعمل في الخفاء حتى نظن أن الأشياء سقطت وحدها."
✒️ راضي غربي العنزي – "كاتب سعودي"
هناك مواقف لا تأتي لتُربكنا فقط، بل لتُعيد تعريفنا.
تدخل حياتنا بهدوء قاسٍ، فتُسقط عن أعيننا غشاوة كثيفة ، وتتركنا وجهاً لوجه أمام أنفسنا كما نحن، بلا تجميل ولا أوهام.
وهناك علاقات منحناها من القلب، لا من الحساب، فظنناها آمنة، فإذا بها درس مبكر في أن العطاء لا يصنع الوفاء، وأن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لحماية القلب.
في تلك اللحظات، لا نتعلم القطيعة، بل نتعلم الانتباه.
نتعلم أن الحب لا يُنتزع، وأن الاهتمام لا يُلاحق، وأن الكرامة ليست ردّة فعل، بل أصل ثابت.
نمضي، لا لأننا تخلّينا، بل لأننا فهمنا، نرتّب قلوبنا كما يُرتّب العاقل أفكاره بعد انكشاف الحقيقة، ونكمل الطريق دون أن نلتفت طويلاً لمن خذل، فالله أولى بالالتفات، وأحق بالثقة.
وحين نهدأ، ندرك أن الله جلّ جلاله لم يقدّر لنا الخيبة عبثًا، ولم يسمح بانطفاءٍ بلا حكمة.
نحمده، وننزهه، ونعظمه، ونتيقن أن تدبيره أسبق من رغباتنا، وأن علمه محيط بما نراه وما لا نراه.
فالله هو اللطيف، الحكيم، العليم، لا يُقاس لطفه بما نحب فقط، بل بما صرفه عنا، وبمن أبعده من طرقنا، رحمةً بنا ونحن لا نشعر.
ويأتي القرآن ليضع المعنى في نصابه، بلا مواربة ولا تجميل:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
آية لا تُسكّن الألم فحسب، بل تعيد ترتيب زاوية النظر، وتقول للقلب: اطمئن… الله يرى ما لا ترى.
ويعضدها قول النبي ﷺ، قولًا يرفع الإنسان من مستوى التذمر إلى مقام الرضا العميق:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ…»
حديث يجعل الحياة أقل فوضى، حين نفهم أن الخير لا يكون دائمًا في ما نختاره، بل في ما يختاره الله لنا.
وقد مرّ الذين سبقونا بهذه الدروب ذاتها، لكنهم كانوا أكثر صفاءً في الفهم.
يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: ما أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره.
كلمة تختصر فلسفة الإيمان كلها، وتكشف أن الطمأنينة ليست في النتائج، بل في التسليم لله وحده، دون تردد ولا اشتراط.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو العارف بطبائع القلوب: لا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه.
كأنما كان يحدّثنا نحن، في زمن كثرت فيه الخيبات، وقلّ فيه الصدق، ليقول: لا تقِس سلامتك بعدد من حولك، بل بصفاء علاقتك مع الله.
حتى الحكماء من غير أهل النبوة لمسوا هذا المعنى.
قال سقراط إن أعظم الانتصارات أن ينتصر الإنسان على نفسه، لكن الإيمان يضيف: وأعظم السكينة أن يسلّم هذه النفس لربها.
وكتب ماركوس أوريليوس وهو الفيلسوف الروماني أن ما يعكر صفو الإنسان ليس الأحداث، بل نظرته إليها، ونحن نقول: بل صفاء التوحيد هو ما يجعل النظر مختلفًا.
نحن لا نحتاج أن نُثبت صلابتنا لأحد.
يكفينا أن نعرف أن الله معنا، وأن من كان الله وليّه، فلن تضره قلة الوفاء، ولن تكسره خيبات البشر.
نمضي بخفة، وبسخرية فلسفية هادئة من آلامٍ ظنناها نهاية، فإذا بها بدايات أنقى .
وفي الختام، نقولها بلا ادعاء ولا صخب:
نحن لم ننجُ لأننا أقوياء، بل لأن الله لم يتركنا سبحانه وتعالى .
نقف اليوم بقلوب أهدأ، وبوعيٍ أعمق، وبإيمان يجعلنا نثق أن الطريق، مهما ضاق، لا يخذل من سار فيه مع الله.
● ابتسم الآن … فأنا أكتب من أجلك ولأضيء ..للآخرين .!
○الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438





























(
(
