هناك لطفٌ إلهيٌّ خفيّ، يمرّ في حياة الإنسان مثل نسيمٍ لا يُرى، لكنه يبدّل قسوة الطريق إلى رِفق، وكأن الله سبحانه يمسك بيد عبده اللين فيخفف عنه وعورة الحياة.
ليس كل الناس يسيرون في الحياة بالخطى نفسها، ولا كل القلوب تحمل المفاتيح ذاتها.
بعضهم يمشي بين الناس كأن بينه وبين القلوب عهداً قديماً من المودّة؛ يفتح له الطريق قبل أن يطرقه، ويجد الأبواب تتسع له قبل أن يمد يده.
وبعضهم الآخر يمشي بعكس ذلك تماماً؛ كأن الحياة قد ضاقت عليه، لا لأن الدنيا ضيقة، بل لأن قلبه صار ضيقاً.
ولعلّ من أعجب ما يلحظه الإنسان في معاشرته للناس أن الشخصية الميسّرة، اللينة، التي تألف وتؤلف، كثيراً ما يجد صاحبها تيسيراً عجيباً في شؤون حياته.
أما المتعسّر، الذي يجعل من كل موقف معركة ومن كل كلمة حساباً عسيراً، فإنه غالباً ما يرهق نفسه قبل غيره، حتى تصبح أبسط حاجاته كأنها صعود جبل.
وهنا يتجلّى قانون إنساني عجيب، يتكرر في الحياة حتى يكاد يكون مشهداً يومياً:
من يسّر على الناس، يسّر الله عليه.
ومن عسّر على الناس، وجد التعسير يطارده حيثما ذهب.
وليس ذلك حكمة اجتماعية فحسب، بل هو نور من هدي النبوة؛ فقد قال رسول الله ﷺ:
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ» رواه الترمذي.
تأمل هذه الكلمات النبوية المضيئة…
ليست بطولة الإنسان في أن يكون صلباً مع الناس، ولا في أن يثبت أنه الأصعب والأشد.
البطولة الحقيقية أن تكون هيناً ليناً، قريباً سهلاً، لا تكسر القلوب ولا تثقل الأرواح.
إن اللين ليس ضعفاً، بل هو قوة راقية لا يقدر عليها إلا من صفا قلبه.
وقد فهم الحكماء هذه الحقيقة منذ قرون طويلة؛ فكان الفيلسوف الصيني لاوتسه يقول إن الماء اللين يغلب الصخر الصلب.
وكان الفيلسوف الرواقي سينيكا يرى أن الإنسان الرحيم هو الأقرب إلى الحكمة.
أما الأديب الروسي تولستوي فكان يردد أن أعظم قوة في العالم هي اللطف.
لكن الإسلام جاء بهذه الحقيقة قبل كل تلك التأملات البشرية، حين جعل اللين عبادة، والتيسير خُلقاً إيمانياً.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
هذه الآية وحدها تكشف سرّاً عظيماً من أسرار الاجتماع الإنساني.
فالناس لا يجتمعون حول القسوة مهما كانت براقة، لكنهم يلتفون حول اللين لأنه يشبه الفطرة التي خلقهم الله عليها.
وفي كتب السير الإسلامية قصة صغيرة لكنها مدهشة في معناها.
يُروى أن عبد الله بن المبارك رحمه الله، وهو من كبار علماء المسلمين وزهّادهم، كان في سفر مع رفاق له.
وأثناء الطريق كان أحد الخدم يخطئ كثيراً في تجهيز الطعام وترتيب الأمور، حتى بدأ بعض المسافرين يتضايقون منه.
لكن ابن المبارك كان كلما أخطأ الغلام ابتسم وقال له برفق:
“لا بأس يا بني، نحن في سفر، والسفر مدرسة الصبر.”
ومع الأيام صار الغلام يخدمه بمحبة عظيمة، حتى قال لمن حوله:
“والله ما رأيت ألين قلباً من هذا الرجل.”
لم يكن ابن المبارك يعظ الناس بالكلمات بقدر ما كان يعظهم بطريقته في التعامل.
وفي زمننا المعاصر تتكرر الحكاية نفسها بأشكال مختلفة.
أحد الموظفين البسطاء في إحدى الشركات كان معروفاً بلطفه الشديد مع الجميع؛ مع الحارس، ومع عامل النظافة، ومع المراجعين الذين يكثرون الشكوى.
كان يبتسم حتى في أكثر الأيام ازدحاماً، ويقول دائماً:
“ما دام الأمر بيدي أن أيسر على الناس، فلماذا أعسره؟”
مرت سنوات قليلة فقط، وإذا بذلك الموظف يرتقي في عمله سريعاً، حتى صار مديراً للقسم نفسه.
ولما سُئل عن سرّ ذلك قال ببساطة:
“الناس يفتحون لك الأبواب حين يشعرون أنك لا تغلقها في وجوههم.”
وهكذا تسير الحياة؛
ليست معادلة جامدة من الحظوظ والمصادفات، بل سنن يجريها الله بحكمته بين عباده.
فالقلب اللين يشبه المفتاح الذهبي، يدخل القلوب بلا استئذان.
والإنسان السهل قريبٌ من الناس، قريبٌ من الرحمة، قريبٌ من الخير الذي يفيضه الله في حياة عباده.
ولذلك كان بعض الحكماء يقولون:
“عامل الناس كما لو أن قلوبهم زجاج.”
وكان الفيلسوف ماركوس أوريليوس يرى أن أفضل انتقام من القسوة هو أن تكون لطيفاً.
لكن المؤمن يدرك أن الأمر أعمق من الفلسفة الاجتماعية؛
إنه عبادة قلبية خفية، يباركها الله سبحانه، ويجعل أثرها في حياة الإنسان قبل أن يشعر بها.
فالإنسان اللين لا يربح قلوب الناس فقط، بل يربح سكينة نفسه.
والسهل القريب لا يسعد الآخرين فحسب، بل يعيش في داخله سلاماً عجيباً.
وهنا تتجلّى حكمة الله سبحانه في هذا الخلق العظيم.
فالله جلّ جلاله يحب الرفق، ويبارك اللين، ويجعل في التيسير نوراً يرافق صاحبه في حياته كلها.
ولعل أعظم ما يدركه الإنسان بعد رحلة طويلة مع الحياة هو أن كثيراً من التعقيد الذي يشتكي منه الناس… ليس في الدنيا نفسها، بل في القلوب التي اختارت أن تكون صلبة.
أما القلوب التي اختارت اللين، فقد اكتشفت سرّاً بسيطاً وعميقاً:
أن الطريق يصبح أقصر كثيراً عندما تمشي فيه بقلبٍ رحيم.
في النهاية، ليست الحياة بحاجة إلى أبطال يصرخون، بل إلى قلوبٍ هادئة تُحسن إلى الناس.
فمن كان هيناً ليناً قريباً سهلاً، فقد اختار طريقاً باركه الله، وكتب له فيه من السكينة والتيسير ما لا يخطر على بال.
وربما لهذا السبب يبدو بعض الناس وكأن الحياة تبتسم لهم دائماً…
ليس لأنهم أقوى من غيرهم، بل لأن قلوبهم كانت ألين.
✒️ - راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438





























(
(
