أحيانًا وبدون قصد، يصل إلى مسمعي حديث الجالسين حولي: في المقهى، في قاعة الأفراح، في مجالس العزاء، أو في المطار! وفي هذا التطفل العفوي أشياء وأشياء..
في صالة الانتظار بالمطار يسأل الزوج زوجته: جبتي الميزان؟ وقبل أن تجيب، تساءلتُ في نفسي: ماذا يريد بالميزان؟ هل كان ذلك ليعرف وزنه قبل السفر وبعده؟ وهل إن نقص وزنه -مثلاً- سيمتدح طبيخ زوجته، متعللاً بأنه خلال السفر فقد شهيته، ومع فقدها خسر عدة كيلوغرامات من شحومه المتراكمة؟ أم أنه يريد معرفة وزنها هي، وعند كل مطعم سياحي باهظ الثمن في أوربا سيحطم قلبها وينعتها بـ«الدبّة» لتكتفي بوجبة دايت رخيصة؟
تواردت هذه التساؤلات في ذهني خلال ثانيتين، وكانت السلسلة ستطول لو لم تقطعها المرأة عندما فتحت حقيبتها واستخرجت قطعة حديدية صغيرة بها حزام وعلى ظهرها شاشة..
أوووه، كان يقصد ميزان الحقائب!
هم يريدون التأكد من أن حقائبهم ضمن الوزن المسموح به في الطائرة، والذي لا يتجاوز غالبًا 25 كيلوغرامًا. اكتشفت حينها أنني لم أكتفِ بـ(قطّ) أذنيّ فقط، بل كنت (مبحلقًا) في أغراضهم! لكن يبدو أنني لم أكن الوحيد المتابع لحالة هذه الأسرة؛ إذ قامت من الخلف سيدة ممتلئة، تسمع خشخشة المعادن من كامل أجزاء جسدها، من ذهب وفضة و(سويسر).. والسويسر: هي اللفظة الشعبية التي كانت جداتنا الشماليات يطلقنها على الذهب (الفالصو)!
هنا لابد من التوقف لمعرفة الفرق بين لباس المسافر للسياحة، ولباس المعزوم في صالة أفراح! بمعنى أدق: هل كان هدف هذه السيدة من السفر هو أن تَرى أم تُرى؟
ما علينا..
وصلت السيدة إلى الزوجة وزوجها واستأذنت قائلة: واللي يعافيكم.. أبي الميزان أوزن شنطتي!
في هذه اللحظة، أشاح الزوج بوجهه حياءً واحترامًا، بينما رمقتها الزوجة بنظرة استعلاء بطولها وعرضها ثم مدت لها الميزان وقالت بنبرة حادة: «دوك»!
أخذته وعادت إلى حقيبتها التي تفوقها طولاً وعرضًا، ومليئة بالحاجيات لدرجة أنك تخاف عليها من «الفتق»! أرادت تعليقها في الميزان فلم تستطع رفعها، فاستعانت بزوجها واثنين من أولادها ليرفعوا الشنطة، وبعد عناء ارتفعت قليلاً لتظهر نتيجة الوزن مضاعفة ثلاث مرات!
وهنا أُعلنت حالة الاستنفار في صالة المطار.. فتحت العائلة الشنطة لتوزيع محتوياتها على بقية الحقائب، فتناثرت علب القشطة، والتونة، والمكرونة، وكرتون التمر، ودلة المسافر، وقدر ضغط 22 لترًا، و(خيشة) قهوة، و(قطمة) سكر.. ناهيك عن أكياس (الديليفري) المعاد تدويرها لتحوي أكوامًا من الملابس والأحذية!
أرادوا توزيعها على الحقائب الأخرى فلم يكن ذلك ممكنًا لأنها ممتلئة هي الأخرى. فاشتروا من المطار حقيبة إضافية كبيرة وقاموا بتوزيع (الأرزاق) بالتساوي، لكن ما يزال الوزن زائدًا! عندها غضب رب الأسرة، فانتفض واستخرج جواله واتصل بصديق: ألو.. أبو عبدالله تكفى، بنترك شنطة في المطار تعال خذها للبيت!
وبعد المكالمة، التفت للسيدة البدينة وقال: رجّعي الميزان لصاحبته.. أصلاً سفرتنا كلها 5 أيام، جايبة بقالة الحارة معك ليه؟!
بعد عدة أيام .. وفي المطار المقابل عند العودة عاودتني حالة (قطّة) الأذن.. رجلان يسرّان لبعضهما بحسرة أنهما دفعا غرامة الوزن الزائد، وأنهما اكتشفا أن نصف ما جلباه معهما من أحذية وألبسة عاد على حاله ولم يُستخدم!
هذه المواقف التي نسجتها لي (قطة الإذن) أوصلتني إلى قناعة بأن جزءًا كبيرًا منا يسافر «للكشخة» على بعضنا البعض؛ وإلا لماذا نُحمِّل أنفسنا كل هذا الوزن، ثم نترك اتساع العالم لنتكدس في منطقة جغرافية واحدة نصادف فيها معارفنا وربما حتى جيراننا؟! وبعد انتهاء العطلة الصيفية تجد الجميع يتحدث عن ذات البقعة وذات المقاهي!
ربما يكون في طَرق أماكن جديدة تغيير في ثقافة السفر.. وقد تكون الحقائب حينها أقل وزنًا، وأرواحنا أكثر خفة. ضعوا ما قلته في الميزان، فقد يلامس الواقع، فالسفر مساحة للراحة، لا ساحة لحمل الأثقال.
يقول محمد عبده:
سافر وترجع يا حبيبي على خير
واشوفكم عقب السفر بالسلامة
سلطنوا..





























(
(
